كتاب
تأنيس المسجونين وتنفيس المحزونين
الكتاب الذي بين أيدينا، ونقدم اليوم عرضاً له، إنما هو رسالة إخوانية، شارك فيها كاتبها أخاه في الله مخففاً بها عنه من محنته التي أصيب بها، والتي نستشف من الرسالة، أنها تدل على تعرُّضه للسجن، فكتب إليه هذه الرسالة مسلياً إيّاه مما يعانيه من فقدان الحرية.
وإن ما يعانيه شعب فلسطين منذ أربعة عشر شهراً، هي عمر الانتفاضة الثانية، التي خرجت من قمقمها، لتطهير أقدس المقدسات الإسلامية في فلسطين، من دنس يهود، دفعنا إلى تحليل وعرض هذه الرسالة، لوجود قاسم مشترك بين موضوع الرسالة وما يعانيه أبناء فلسطين من معاناة وحصار، حتى وصل الأمر إلى صعوبة الوصول من قرية إلى قرية، لا يفصل بينهما سوى كيلومتر واحد أو يزيد عنه قليلاً، علّنا نخفف عن أنفسنا، نحن من في الشتات، ما نعانيه من غربة ومن تفجُّع على الأهل تحت نير الاحتلال والحصار.
يُعتبر الكتاب رسالة أدبية صغيرة من الرسائل الإخوانية بعث بها أو كتبها لأخيه في الله محمد بن قاسم الصادقي، الذي امتحنه الدهر في نفسه، وقسا عليه، ورماه عن قوس نوائبه، لكنه لم يذكر فيها المحنة التي أصابت الصادقي، لكننا نستنتج من قراءة الرسالة وما ورد فيها أنه تعرض لمحنة السجن ولم نجد من ترجم له لنصل إلى أسباب سجنه.
وقد جاءت الرسالة وفق العناصر الفنية للرسائل الإخوانية، فبدأها بالبسملة والحمدلة، التي توحي كما توحي كل حمدلة يبدأها المصنفون من أسلافنا، بموضوع الرسالة، حيث ذكر فيها أن الدنيا سجن المؤمن، وأن ما يصيب الإنسان فيها إنما هو سبب لرفع مكانته ودرجته، وتكفير لذنوبه.
ثم أخذ يواسيه ويخفف عنه بأن الأمر لله، وأن هذه حال الدهر، ثم عدّد له من شربوا كأس هموم الزمن، وكابدوا أنواع المحن، مبتدئاً بآل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكر منهم: زين العابدين، علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، وموسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن زين العابدين، والحسن بن علي بن محمد بن علي بن موسى الكاظم.
ثم عرّج على أئمة المذاهب السنِّية، فتعرّض لمحنة أبي حنيفة النعمان بن ثابت، وسجّل محنة الإمام أحمد بن حنبل، حيث كانت محنته في العقيدة، أي قضية خلق القرآن. بعدها انطلق إلى محن المتصوفة، وذكر منهم محنة ذي النون المصري، وعلي بن حرزهم، وأبي مدين التلمساني، وابن تيمية.
ثم انطلق إلى ذكر محن الملوك والوزراء، فذكر ما تعرض له المعتمد بن عباد، وابن زيدون، ثم عرج على القضاة والأدباء، فذكر منهم علي بن عبدالرحمن السلاسي، وأبي العباس احمد المدعو حمدون المزوار، ثم رجع إلى الوراء قليلاً فذكر محنة الوزير لسان الدين بن الخطيب، وذكر بعده ما تعرض له التنبكتي، أحمد بابا السوداني،
ثم ذكر محنة المتصوف العربي الدرقاوي، وابني عجيبة، أحمد ومحمد الهاشمي، ومحمد المكودي ثم ذكر بعض الحكايات التي وردت في الكتب في هذا الموضوع بعد ذلك ذكر ما ورد عن النبي يوسف وما وقع فيه من خطأ، حين قال للغلام الخارج من سجن عزيز مصر: (اذكرني عند ربك) وما سبب له هذا الخطأ من امتداد مدة سجنه بضع سنين. ثم عاد إلى ما يروى من حكايات، مثل حكاية الرجل الصالح الذي سجنه الحجاج، وحكاية بزر جمهر الذي سجنه أنوشروان.
بعد ذلك ختم رسالته بقصيدة تتكون من عدة أبيات. وبدعاء أثر عن الإمام علي كرم الله وجهه، فأحاديث للرسول صلى الله عليه وسلم خاتماً بحديثه صلى الله عليه وسلم: «آخر ما تكلم به إبراهيم، حين ألقي في النار، حسبي الله ونعم الوكيل». وقد جاءت الرسالة وافية بالغرض، ملتزماً مؤلفها بالقواعد الفنية للرسائل الأدبية وقد أحسن فيها الافتتاح، كما أبدع فيها الانتهاء.
| 8164 | 214/73 | المكتبة الرئيسية | Available |
No other version available