كتاب
مابعد الدولة -الأمة عند يورغن هابرماس
يلحظ الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس أن الدولة الليبرالية الغربية تعيش راهنا أزمة غير مسبوقة منذ تشكلها, تكمن في الانفصام القائم بين مكونها القومي (تماهي الدولة والأمة) ومكونها السياسي الإجرائي (مبدأ المواطنة الشاملة).
فالدولة الحديثة نشأت في البداية كدولة إدارية جالبة للضرائب ثم أصبحت دولة إقليمية ذات سيادة قبل أن تتحول إلى شكل دولة قومية لتنتهي إلى نموذج دولة القانون الديمقراطية(1).
فهل العلاقة تلازمية بين الهوية القومية للدولة الليبرالية الحديثة وهويتها الديمقراطية؟ وإذا كان نموذج الدولة – الأمة قد انحسر راهناً وأصبح معرَّضاً للاختفاء فهل ستنهار معه المنظومة الديمقراطية التي تشكلت في سياجه؟
لا شك أن هذا هو الإشكال الجوهري الذي يطرحه راهناً الفكر السياسي الغربي, الذي اختلف إزاء هذا الإشكال إلى ثلاثة اتجاهات متمايزة:
– اتجاه متشبث بمبدأ الدولة القومية, مناهض لحركية العولمة, من منطلق الدفاع عن حصن الهوية الخصوصية للأمة, وعن فكرة المواطنة الجمهورية التي يراها التجسيد الوحيد لمفهوم الديمقراطية من حيث هي تعبير عن الخيار الجماعي المشترك. نلمس هذا الموقف لدى تيارات اليمين واليسار التقليديين في أوروبا الرافضة لمنطق السيادة المتقاسمة ضمن أوروبا موحدة سياسيًّا. قد استطاعت هذه المجموعات بالفعل عرقلة مشروع الدستور الأوروبي الذي يقنن الاندماج السياسي لدول القارة القديمة.
ومن أبرز من بلور فلسفيًّا هذا التصور الفيلسوف الفرنسي (رجيس دوبريه) الذي يدافع عن الصيغة الجمهورية من حيث هي التجسيد الأوحد الممكن لقيم التنوير الليبرالية, معتبراًأن الديمقراطية بدون هذه القيم تفقد جذورها المعيارية المميزة(2).
ـ اتجاه يرى في أزمة الدولة القومية المتجانسة فرصة سانحة لإصلاح خلل جوهري واكب التصور الليبرالي للنظام الديمقراطي الحديث, وهو طمس الهويات الثقافية الخصوصية من منطلق الإجرائية الشمولية غير المتعينة, أي القول بحيادية الدولة إزاء كل تصورات الخير الجماعي وفنون العيش المميزة, والرهان على قدرة الدولة البيروقراطية على إدارة الاختلافات القيمية في بنيتها الإجرائية. يتبنى هذا التصور التيار المعروف بالجمعياتي, الذي ينتشر أساساً في أمريكا الشمالية, وفكرته الأساسية هي رفض التصور الفردي الحيادي للحقوق السياسية واستبداله بحقوق المجموعات والقوميات والفضاءات الثقافية الخصوصية التي يجب أن لا تقوَّض وتنفى باسم الكيان القومي المنسجم الموحّد(3).
ـ اتجاه يختفي باختفاء الدولة القومية من منطلق راديكالي غير ليبرالي, معتبراً أنها شكلت مرحلة تاريخية انتهت, وكانت عائقاً أمام الديمقراطية الحقّة بما تقوم عليه من فكرة السيادة التي تفضي ضرورة إلى التسلط والهيمنة ونفي الاختلاف باسم المبدأ التعاقدي الوهمي الذي يقنع الطابع الصراعي الحتمي للشأن السياسي. وباختفاء الدولة القومية يتشكل نظام الإمبراطورية الذي هو فضاء مفتوح لا قلب له ولا مركز, ولا سبيل للتحكم فيه, مما يزيد من إمكانات تحرر الإنسان. وقد عبر المفكران الإيطالي توني نغري والأمريكي مايكل هارت عن هذا التصور في كتابيهما الهامين المشتركين (الإمبراطورية) و (الجمهور) اللذين صدرا فيهما عن خلفية ماركسية جديدة(4).
ـ الاتجاه الذي يتبناه هابرماس, من منطلق الوفاء لليبراية الأنوارية الحديثة وإن من منطلقات جديدة. فبالنسبة له ليس ثمة علاقة ضرورية بين الوعي القومي والمسلك الديمقراطي في الحكم حتى لو كان من الصحيح تاريخيا أن العامل القومي شكّل قوة دفع ممهدة للنظام التعاقدي الديمقراطي.
بيد أن المعيار الأساس للديمقراطية ليس هو انغراسها في هوية قومية, وإنما انبناؤها على أساس التعاقد الحر بين أفراد ينظمون حياتهم الجماعية على قواعد تنظيمية إجرائية تضمن العدل فيما بينهم. وإذا كان هذا النموذج قد ارتبط تاريخيا بشكل الدولة القومية, فانه اليوم يسير في اتجاه مبدأ (المواطنة الدستورية) التي تنسجم مع فكرة الشراكة الكونية العابرة للحدود السياسية الوطنية, سواء عبر الفضاءات الإقليمية المندمجة (كالاتحاد الأوروبي) أو المجالات التكاملية الدولية التي يجب أن تحوّل إلى سياقات تضبطها قواعد وأخلاقيات الضيافة الإنسانية المفتوحة.
ينطلق هابرماس في تصوره من المقاييس المنهجية التي بلورها في نظريته حول (الفعل التواصلي) التي تشكل صيغة معدّلة من مقاربة البراكسيس الماركسية بالرجوع إلى أعمال ماكس فيبر بقراءة جديدة. في هذا السياق يتم النظر إلى الفعل التواصلي كنشاط تحكمه فاعلية حوارية اجتماعية تتخذ شكل عقلنة مفتوحة وأخلاقية نقاش اعتبرها هابرماس الأساس المعياري للديمقراطية(5).
فهابرماس يذهب بوضوح إلى القول (إن نمط الإجراء الذي تحدده السياسة النقاشية هو قلب المسار الديمقراطي نفسه)(6).
فهذا التصور يختلف في آن واحد عن التصور الليبرالي للدولة الذي هو التصور الاقتصادي لكيان حارس للتبادل الاجتماعي وللحركية الإنتاجية وعن التصور الجمهوري الذي ينطلق من النظر للدولة بصفتها مجموعة أخلاقية مندمجة عضويا.
فالمقاربة الليبرالية لا ترى في المسار الديمقراطي سوى سلسلة من الصفقات التوافقية بين مصالح متمايزة, فالآلية الديمقراطية من هذا المنظور هي مجرد أداة للتوصل إلى حلول توفيقية تضمن الإنصاف في النتيجة النهائية من خلال قواعد مؤسسية تنظم المنافسة بين الفاعلين الاجتماعيين وتقنِّن عملية صنع القرار. وحسب التصور الجمهوري, تتحدد الإرادة الديمقراطية في شكل توافق أخلاقي – سياسي يصدر عن الهوية الجماعية داخل المجوعة العضوية.
| 17481 | 100/ 283 | المكتبة الرئيسية | Available |
| 17482 | 100/ 283 | المكتبة الرئيسية | Available |
| 17483 | 100/ 283 | المكتبة الرئيسية | Available |
| 17480 | 100/ 283 | المكتبة الرئيسية | Available |
No other version available