كتاب
خطابات الموت
وقد أتاح لها زواجها هذا أن تزور معظم بلاد الشرق الأدنى والأعلى، فتجولت في بلاد الشام العراق ومصر وبلاد فارس...الخ، ووفَّر لها هذا التجوال فرصاً ممتازة لكتابة أجمل رواياتها وقصصها المليئة بالأسرار، المفعمة بالغموض، المعتمدة ليس على مواقع الحدث في بلاد الشرق الساحرة فقط وإنما على خيال الكاتبة الجامح، أيضاً ولغتها المتدفقة السيالة وقدرتها الفريدة على ابتكار الشخصيات الغامضة والمثيرة وتحريكها عبر الرواية باتجاهات مختلفة تُذهل القارئ.!! بل تشدَّه وتدهشه.!! ومثلما ابتكر (السير آرثر كونان دويل) شخصية (شرلوك هولمز) وزميله (الدكتور واتسون) كذلك نحتت أجاثا كريستي شخصيات المفتش (هركول بوارو) والكولونيل (بريس) و(مس جين ماربل Miss Marple)...
ولعل الاستقرار العائلي الذي أتاحه لها زواجها من (مالوان) ـ فضلاً عن عوامل أخرى ـ كان من أسباب استقرارها النفسي والفكري ممَّا هيأ فرص الكتابة والإنتاج الأدبي حتَّى وهي ترافق زوجها في إقامته بالمواقع الأثرية. يقول (ماكس مالوان) في مذكراته عن طقوس الكتابة لدى زوجته (شيدنا لأجاثا حجرة صغيرة في نهاية البيت، كانت تجلس فيها من الصباح وتكتب رواياتها بسرعة وتطبعها بالآلة الكاتبة مباشرة، وقد ألَّفت ما يزيد على ست روايات بتلك الطريقة موسماً بعد آخر...). وانضمت كريستي رسمياً إلى بعثة التنقيب البريطانية في نينوى شمال العراق برئاسة (الدكتور تومسن كامبل) ثمَّ إلى بعثة الأربجية عام 1932 برئاسة زوجها. وكانت فضلاً عن جهدها التنقيبي، تجد الوقت الكافي للكتابة، حتَّى أنه حين لا يتوفر لها السكن في الموقع الأثري، تنصب لها خيمة خاصة بعيداً قليلاً عن ضجيج الحفر حيث تعمد إلى كتابة رواياتها وقصصها داخلها، وعن حياته المشتركة مع أجاثا، يقول مالوان في مذكراته: (عشنا في بيت صغير ذي حديقة أسفل تل النبي يونس، وضم التل أيضاً مستودع أسلحة سنحاريب ـ الملك الآشوري ـ وكان الوصول من بيتنا إلى قمة نينوى تل قويسنجق يستغرق عشرين دقيقة على ظهر الخيل، ومن القمة نطل على مشهد شامل للمناظر الطبيعية والتاريخ...، ونطل من ارتفاع مائة قدم فوق السهل إلى الغرب على الضفاف الشديدة الانحدار لنهر دجلة السريع الجريان ليس هذا فقط، إنما كانت كثيراً ما تتهيأ لشتاء الموصل الطويل بشراء كميات من الخشب التماساً للدفء كلما اقترب موسم البرد وكانت تدفع بسخاء لقوافل الأكراد التي تبيع الخشب، وفي هذا البيت قليل الأثاث احتاجت أجاثا مرَّة لمنضدة تكتب عليها روايتها (اللورد ـ ايجوير يموت) فقصدت سوق الموصل واشترت بثلاث باونات منضدة، اعتبرها الدكتور كامبل رئيس هيئة التنقيب تبذيراً). ورغم أن الكتابة كانت شاغلها، فقد كان لها دورها ومهماتها ضمن بعثة التنقيب، كانت أجاثا كريستي - يقول مالوان - سخية دائماً ونموذجاً للانسجام، ساعدت في إصلاح العاجيات ووضع الفهارس لأنواع (اللقي) الأثرية، كما ساعدت في التصوير الفوتوغرافي للبعثة. وبالمقابل، استطاع (مالوان) زوجها المخلص أن يرسم لها صورة مختلفة للعالم، وأن ينظّم أعمالها على نحو لم تكن تنتظره، فكان يحل مشاكلها المالية سواء بالنسبة لألاعيب دور النشر المستغلة، أو لتحايل منتجي الأفلام أو لمشاكلها مع أصحاب المسارح، أنه يجيد ترتيب المعلومات وتبسيطها.
وأقامت أجاثا كريستي شهر العسل مع زوجها السيد مالوان في قرية عين العروس على ضفاف نهر البليخ وغابات عين العروس الجميلة وتلالها ألأثرية الرائعة حيث كان زوجها في مهمة أثرية في الجزيرة السورية في زياراتها المتكررة إلى سوريا برفقة زوجها عالم الاثار الذي كان يعمل في إحدى المواقع الأثرية في شمال شرق سورية سكنت اجاثا كريستي في فندق بمدينة حلب وهو (فندق بارون) الذي كان مقصد المشاهير وخاصة من أوروبا والقادمين على متن قطار الشرق السريع الي حلب وكتبت قصتها الشهيرة (جريمة في قطار الشرق السريع) أثناء مكوثها في حلب وما تزال ذكراها في إحدى زوايا الفندق العريق فندق بارون إلى اليوم وفتنت بحلب وعظمة قلعتها واسواقها الشرقية البديعة وتجولت في التلال الأثرية في وسط وشرق سوريا.
لقد تجولت في سوريا ومصر والأردن وفلسطين وبلاد فارس، وكان لها في كل موقع أثري رواية أو قصة، منها قصتها (لؤلؤة الشمس) التي مثلت تسجيلاً لزيارتها مع زوجها إلى (البتراء) في حدود عامي 1933 ، 1934. أمَّا رواية (موعد مع الموت) وفي فصلها الخامس بالذات فتصف روعة بناء المسجد الأقصى وعظمة القبة المُشيدة على صخرة مرتفعة وجمال نقوشه. وكذلك حديثها مع الدليل العربي الذي رافقهم في أحد التلال الأثرية في الجزيرة السورية، وكذلك فعلت في قصتها (نجمة فوق بيت لحم) عام 1965. ولقد زارت الكاتبة مصر ودرست حضارتها وتاريخها وكتبت الرواية المعروفة (موت على النيل) التي حولت إلى مسرحية عام 1946 بعنوان (جريمة قتل على النيل) كما كتبت الرواية الثانية (الموت يأتي في النهاية) وذلك عام 1945، كما كانت قد كتبت مسرحية (أخناتون) الملك المصري الذي فرض ديانة جديدة، وقد أعدت أجاثا كريستي لكتابة هذه المسرحية منذ زيارتها (الأقصر) جنوب مصر عام 1931، واستعانت بخبرة علماء الآثار في رسم شخوص المسرحية التي أصدرتها إحدى دور النشر عام 1973.
وعند بلوغها سن الخامسة والثمانين كانت قد أنتجت (85) كتاباً بمعدل كتاب لكل سنة، وهو رقم عالي يعكس القدرة على الإنتاج والكتابة، ويتساءل زوجها (مالوان) في مذكراته: (كيف نفسر هذه الظاهرة؟ إنها ناشئة عن حالة دائمة من الخيال الجامح).
اعتبرت هذه الكاتبة مسألة (الرفقة) عنصراً جوهرياً في السعادة الزوجية، كذلك مشاطرة الخبرات والمشاعر والأفكار والتعبير المبهج عنها، ولعل هذه الأمور مجتمعة كانت من أسباب نجاح ديمومة زواجها من (مالوان) فقد استمرت حياتها معه 45 عاماً، أي حتَّى وفاتها عام 1976، ومن طريف ما يروى أنها كلما كانت تسأل عن سر تعلّق (مالوان) بها وحبه لها كلما تقدمت في العمر وهي تكبره أصلاً فتجيب: (إنه أمر طبيعي، فزوجي عالم آثار يعشق الآثار القديمة!).
| 15147 | 813,03/ 1881 | المكتبة الرئيسية | Available |
| 15149 | 813,03/ 1881 | المكتبة الرئيسية | Available |
| 15148 | 813,03/ 1881 | المكتبة الرئيسية | Available |
| 15150 | 813,03/ 1881 | المكتبة الرئيسية | Available |
No other version available