كتاب
في إنتظار جودو
دراما اللامعقول, مسرح العبث, المسرح الطليعي. المسرح الجديد المسرح المضاد. كل هذه المصطلحات تصب في هدف واحد, وتحمل نفس المعنى والأفكار, وتسير على طريقة معينة رغم تعدد الأساليب والأصوات.
لنختصر هذه المصطلحات في مصطلح واحد هو دراما اللامعقول, حتى يتكشف كل شيء عن روح هذا المسرح وأفكاره. على أرض الواقع, لا توجد هناك مدرسة فنية أو حركة فكرية تطلق على نفسها هذا الاسم. ربما لو أوقفت المسرحي الحائز على جائزة نوبل صاموئيل بيكيت وهو خارج من مقهاه الباريسي, وسألته هل هو يتبع دراما اللامعقول, لأجاب غاضباً أنه لا يتبع هذه الحركة ولا يعرف ماذا تعني. وهو على حق, إذ أن كل كاتب من هؤلاء يسعى للتعبير عن رؤياه الشخصية للعالم لا أكثر ولا أقل.
من أكثر المسرحيات شهرة وشعبية هي مسرحية الكاتب الإنجليزي صاموئيل بيكيت: في انتظار غودو. قرأت المسرحية في جلسة واحدة. لم أجد شيئاً في المسرحية. أحاول أن ابحث عن شيء استند عليه كما في المسرح الكلاسيكي ولم أجد. طوال فترة قراءتي للمسرحية كنت أقول: متى سأتخلص من هذه الثرثرة والكلام الفارغ الذي لا طائل له. انتهيت من قراءة المسرحية ولم أعرف ماذا قرأت على وجه التحديد. لا يوجد موضوع محدد. ولكن أين الجاذبية في مسرحية بيكيت؟ قوة هذه المسرحية لا تعتمد على القراءة كما في حالتي أنا, ولا تعتمد على المشاهدة كما شاهدها آخرين على المسرح, قوة مسرحية بيكيت تأتي ما بعد القراءة أو المشاهدة. تجعلك تفكر بالشخصيات وبهذه الثرثرة الممتدة في فصلين. وكلما تعمقت في تحليل النص أو فك رموزها كلما تكشف لك جمال المسرحية و رؤيا بيكيت.
ماذا لدينا في مسرحية في انتظار غودو؟ انتظار اللامجهول. فقط. خمس شخصيات ينتظرون غودو الذي نعرف اسمه ولا نعرف شيئاً عنه. وتنتهي المسرحية على أمل أن يظهر غودو لنعرف سبب انتظار هؤلاء لغودو, وتغلق ستائر المسرح ولا يأتي غودو. الأكثر جنوناً في المسرحية هو البداية والنهاية. في الحقيقة, لا توجد بداية ولا توجد نهاية. لا يوجد زمان ولا مكان في لا بداية غودو. ولا يوجد كذلك لا زمان ولا مكان في لا نهاية غودو. نهاية المسرحية تبدأ بعد القول الأول في المسرحية لأسترجون وهو يحاول خلع حذاءه: عبثاً.
مسرحية غودو أشبه بمقتطع صغير من حياة كل فرد. هل توجد بداية ونهاية في حياة الإنسان؟ إنه يمضي الساعات بغاية أو بدون غاية. كل ما عليك فعله لمحاولة معرفة مسرحية غودو أن يأخذ كل إنسان في حياته ساعة زمن, وأن يضع فيها كل الهراء والإحباطات في تلك الفترة الزمنية دون تحديد أي شيء ظاهر المعالم, ثم يقدمها للجمهور فقط.
لا أظن أن أحداً قرأ المسرحية – أو شاهدها – حتى يتفق معي أن أكثر شخصيات المسرحية إثارة وجنوناً هي شخصية لاكي. الشخصية الخادمة, المضطهدة, والتي أظهرها لنا بيكيت وكأنها أشبه بالكلب تحت سياط بوزو. و الذي كما أراه في الفصل الأول يمثل السلطة الديكتاتورية الجنونية الإقطاعية, والتي تمارس التعذيب ضد كل الكائنات الحية الغير قادرة على الدفاع عن نفسها.
رغم أن بيكيت كان صديقاً حميماً للروائي الكبير جيمس جويس إلا أنه لا يتفق معه على طول الخط, وتحديداً في حقل اللغة. جويس مؤمن بقوة إمكانات اللغة اللامحدودة, وبيكيت مؤمن بعجز اللغة عجزاً كاملاً.
| 1106 | 890,622/1467 | المكتبة الرئيسية | Available |
| 1105 | 890,622/1467 | المكتبة الرئيسية | Available |
| 1108 | 890,622/1467 | المكتبة الرئيسية | Available |
| 1107 | 890,622/1467 | المكتبة الرئيسية | Available |
No other version available