كتاب
العين الثالثة
هو يشبه إلى حدّ ما عملَ مَن يطوي مضلّة الهبوط الضخمة في حقيبة ظهر صغيرة ، ثمّ يعمل على فتحها في الوقت المناسب ، لينزل إلى الأرض نزولا آمنا بعد أن يشبع روحه من متعة التحليق ، ذلك ما سأحاول القيام به مع رواية ( العين الثالثة ) للدّكتور الأديب حبيب مونسي ، هي رواية فلسفيّة تروي قصّة شاب دخل السّجن خطأ، إذ أنّه وجد يُعتقل نفسه وهو يمشي بين جماعة مشاغبة من مشجعي إحدى الفرق الرّياضيّة ، وكان مصيره أن تزج به الشرطة في السّجن ومعه رجلان، أحدهما كهل والثاني شاب.. ووجد نفسه بين أربعة جدران محبوسا مثل اللّصوص والمجرمين ، لا لشيء فعَلَه ولكن لحكمة الأقدار التي وضعته في هذا الموقف الصّعب ، وبدلا من أن يغضب ويسخط أو يحتجّ ، نظر إلى الأمر من زاوية مختلفة ، حاول التأقلم مع المكان والتفكّر في مدلولات مضيّ الزمن ، إنّها فرصة لفهم الحياة أكثر من خلال لحظة سكون إجباري.. في تلك الأثناء نام بعمق فرأى حلما غريبا ، فلما أراد أن يقصّه على رفيقَيه ؛ فوجئ بأنّهما رأيا الحلم نفسه ، وهنا يتغيّر مسار القصّة ، ويدخل فيها بطل ثانٍ ، بطل الحلم الذي رآه السجناء الثلاثة ، وهو شاب يعمل في بعض دوائر الأرشيف الحكوميّة ، وفي لحظة ضعف قام بتسهيل بعض المعاملات المشبوهة ، ليحظى بصفقة العمر التي تنتشله من دائرة الفقر ، ويحقق الحلم العظيم في الحصول على الثلاثي الذي يتطلّع إليه كلّ شاب ؛ ( المرأة / السّكن / السيّارة ) ، ولكنّه في نهاية المطاف يجد نفسه موقوفا ليزجّ به في السجن ، ثمّ يكتشف لاحقا أنّ جماعة ( اللّصوص الكبار ) هي من استدرجه ودبّر له ذلك الأمر ، فيعقد العزم على الانتقام منهم ، ومحاربتهم بأسلحتهم فقد أخذ كامل احتياطاته من قبل، وجهّز الملفّات اللازمة التي تُدينهم ، ويؤنّبه ضميره وتستيقظ الأخلاق التي كاد يقبرها في صدره ، فيرفض كلّ عروض الإغراء والإغواء التي تُقدّم له البراءة والحريّة والترقيّة في منصبه على طبق من ذهب، شريطة أن يكون متعاونا ويدخل الصّف مع جماعة ( اللصوص الكبار ). يصرّ على موقفه ويزجّ بكثيرين منهم في السّجن ، لكنّه في النهاية يلقى المصير المحتوم ، فقد وُجد ذات صباح مشنوقا بزنزانته ، ويرى السجناء الثلاثة الذين دخلوا الزنزانة نفسها بعد موته بثلاثة أشهر يرون تفاصيل قصّته في حلم مشترك ، كلّ واحد منهم يكمّل حلم الآخر ، ويأسفون في نهاية المطاف لموته ، لكنّ بطل القصّة الأوّل الذي هو في الأصل مدمن قراءة روايات ؛ يقرر الانتقام بطريقة عجيبة، وهي أن يكتب قصّته ويوصلها إلى النّاس .. تلخيص قد يفي إلى حدّ ما بوقائع الأحداث ( الظاهريّة ) ، لكنّه لا يقدّم شيئا كبيرا من فلسفة الرواية العميقة ، وأسئلتها الكبيرة التي تطوّح بالرؤوس ذات اليمين وذات الشمال ، وتفصيل ذلك في القراءة المتأنيّة والتحليل المتتبع لعمليّة السّرد بشيء من التفصيل وإلقاء الأضواء الكاشفة.. !
| 9579 | 813,03/1076 | المكتبة الرئيسية | Available |
| 11709 | 813,03/1076 | المكتبة الرئيسية | Available |
No other version available