كتاب
جراح في حضرة الياسمين
كان ينظر إليها وهي تلملم من صنوف الورد والزهر إشكالا لتصنع منها باقات جميلة مثل السحر لتزين بها البيت وأركانه .. لم تترك زاوية من البيت ولا موضعا الا وخلقت منه ربيعا صغيرا وملأته زهرا ونثرت عليه وردا .. على حواف النوافذ نثرت زهور الكاميليا الجميلة وعلى مائدة العشاء الممتدة على طول القاعة الواسعة المعدة لسهرة الليلة وضعت كثير من زهور الأقحوان وكثير من الزنابق والورود المختلفة الألوان جعلت من قاعة الضيوف جنة صغيرة وربيع يبهج ويفتح النفس على نشوة المشاعر الجميلة ..
تحسس عطرها الذي يتطاير شذا في الأجواء فلم يفرق بينه وبين رائحة الإزهار والورود اختلط بشذى الأقحوان وشذى الورود والزنابق .. تأمل فستانها الأزرق الفاتح الذي يشبه لون السماء على أعتاب الربيع الجميل فكانت فيه بهية أبهى من الشمس .. فستان مفتوح من اعلى الصدر ليضيق في الخصر ويمتد واسعا فضفاضا في اسفله كان يراها بتلك الحلة مثل فراشة عملاقة زرقاء بين ورد الربيع المتناثر بل كانت هي الربيع الذي يوزع بسمات ..
عيونه الحزينة جعلت قلبه يحترق ويذوب وجدا وهياما بها .. عيونه تلاحقها وهي تمرق بين الضيوف والمدعوين تداعب هذا وتلاطف تلك وتقدم لهذا كأسا من عصير ولذاك قطعة من حلوى .. نظرت إليه من بعيد وابتسمت شعر بالدم يتصاعد الى وجهه خجلا وراحت تتقدم نحوه الهوينى .. وأحس أن المسافة بينها وبينه طويلة.. طويلة حتى لم يعد يرى من حوله سواها ولم يعد يسمع سوى وقع خطواتها القادمة نحوه ..توقفت أمامه قدمت له كأسا من عصير وابتسمت فخيل ان الحياة تطل عليه من وراء ثغرها المشرق مثل شمسا في سماء زرقاء صافية .. أي حظ واي بركة نزلت عليه اليوم انها تبتسم له وتقدم له كأسا من عصير .. ابتسم في بله وأطرأ رأسه الأرض .. أمسكته من ذراعه وجذبته الى الشرفة .. كانت نسمات الليل رقيقة تثير أجمل المشاعر ..أغمضت عينيها الجميلتين وأخذت نفسا طويلا كأنها تريد سحب رائحة الياسمين المتسلق عبر جدار الشرفة ..أمعن النظر في يدها الممتدة مع التواء ت الياسمين فلم يعد يفرق بين تلك اليد البيضاء وزهور الياسمين البيضاء .. أمعن النظر في تلك الخواتم التي تزين اناملها الرقيقة والاسورة الذهبية التي تحيط معصمها الأبيض فخيل اليه ان اصابعها تزين الخواتم ومعصمها يزين الاسورة .. كانت هي تزين الحياة .. كانت تزين الربيع تزين الزهور كانت يدها جميلة جدا لدرجة انه خاف ان يلمس تلك اليد فتنكسر كبلور .. نظر الى وجهها الساحر فخشي ان تجرحه نسمات الليل الرقيقة كل شيء فيها كان جميلا ساحرا حتى الصمت بينهما كان رائعا .
حاول ان يهمس ويقول شيئا فأخرسه ذلك الجمال الساحر .. وبقي مثل المصاب بالدهشة يتأمل زرقة ثوبها فراح يرسم صورة فراشة عملاقة تمتطي أغصان الياسمين .. ابتسم لفكرته وفكر في رسم صورة لهذا المشهد الجميل .
أفاق من غفوة التأملات ورعش جسمه عندما قالت له : أني أحب
نظر الى عيونها الناعسة المتسترة تحت أهداب كحيلة طويلة وأخذ قلبه يخفق بشدة حتى خيل اليه انها تسمع دقاته وهمسات روحه فشعر بحرارة تسري عبر كامل جسده لتستقر في رأسه شعر ان الدنيا كلها صمتت لتنظر الى حمرة وجهه . ما لبث ان انفرجت أساريره عن بسمة مضطربة وزال عنه الخوف فقد كانت عيونها تنظر اليه في حنان رأى نفسه يطير ويطير يطير عاليا بلا جناح يطير ويخترق الأجواء يعلو ويعلو مثل طائر أطلق سراحه من قفص عاش فيه طيلة حياته .. أراد ان يهمس مثلها ويقول اني مثلك أحب .. لكنه بقي صامتا تتطاير الفرحة من عيونه المرتعشة .
واصلت مسترسلة : أتعتقد ان الحياة بلا حب يكون لها طعم ..؟ ..
أومأ برأسها أن لا حياة بلا حب … وردد في نفسه لا حياة بدون حبك .. لأنكِ آنتِ حياتي يا حياتي ..
وانتظر ان تهمس ثانية له وتقول اني احب وتصف له لوعتها وهيامها به .. لكنه سألته عن صمته ..
رد بهدوء : لما كنتِ تكتمين حبك ..؟
قالت بدلال تصطنع الخجل : خشيت ان يتجاهلني او يردني .. او يحطم لي قلبا ويهدم لي حبا ويكسر لي روحا ..
قال بينه وبين نفسه كيف أتجاهلك يا سيدة الروح والقلب لا يكسر قلبك الا عديم رحمة ولا يردك الا أعمى لا يقدر جمالا .. ولا يهدم حبا الا من كتب له الشقاء .. ليتني عرفت انك تحبينني من زمان .. ثم جهر بقوله قائلا : أي قلب هذا تلامسين اوتاره ولا يخفق بحبكِ.
احمرت وجنتاها خجلا وقالت بصوت رقيق لا يكاد يسمع كان مثل الهمس : شكرا لكنك تبالغ .
عم الصمت بينهما برهة من الزمن سرعان ما كسرت سكونه وسألته :
هل تراه يقبل بحبي .. أم تراه يتجاهلني رغم ما أفعله لأجله ..؟
وعاد الى مخاطبة نفسه : لما لا تفصحي يا عمري عن حبك بلا الغاز ..؟ لما تعذبينني ها قد اقتربنا وها قد تهامسنا وها قد نكاد نعترف لبعضنا البعض فلما لا تقولي اني احبك ؟ .. كيف أتجاهلك وانتِ التي جعلتِ الشمس عني لا تغيب ..
قالت بهدوء ورأسها الى الأرض : لم ترد على سؤالي ..
رد بصوت خفيض متلعثم : يحبك أكثر مما تحبينه ..
ابتسمت ابتسامة مثل السحر وراحت تسأله بلهفة : كيف عرفت كيف ؟
أخبرني قلبي … قال ذلك وأطبق صمتا ..
وعاد الصمت بينهما من جديد .. حاول كسره فلم يستطع .. لم يعد يرى في تلك الضوضاء وذاك الحفل سواها .. لم يعد يشعر الا بوجودها .. لا يسمع الا دقات قلبه وحشرجة انفاسه وصوت الريق المبتلع في حلقه .. حاول ان يثير انتباهها بشيء لكنه وجد نفسه جامدا مثل تمثال من برونز مثبت على قاعدة من اسمنت .. أما هي فاستغرقت في تفكير طويل بحر من احلام ممتدة في خيالها الذي سرحت فيه .. أراد ان يقطف زهرة من ياسمين ويزين يها خصلات شعرها كعربون محبة .. في الوقت الذي كان يحاول وضع الزهرة على خصلات شعرها المتطاير عبر النسمات ويقول لها لقد أحببتك قبل ان تعترفي لي كنتِ دائما في عيوني دائما في خيالي .. كان سيل الكلمات على عتبة لسانه .. فاجأته وراحت تشده من كتفه شدا .. فسقطت زهرة الياسمين من بين انامله وكانت المسافة بين أنامله والأرض مثل رحلة حلم هارب من واقع الزيف .. وراحت تقول وهي تشير الى الباب .. أنظر .. أنظر . ها قد دخل ..
هذا الذي وهبته قلبا هذا الذي منحته حبا هذا الذي يذوب لأجله القلب وجدا .. وما شعر وما مال قلبه او نظر .. أحس ان قلبه انشطر نصفين .. وزهرة الياسمين أخذت في الذبول كأن بها دم قلبه المهدور .. زهرة الياسمين التي كان ينوي ان تكون عربون حبه داستها إقدامها وهي تطوف حوله وتخاطبه بلهفة .. هذا هو هذا هو الذي هفا له القلب .. هذا ا الذي أحب .. أترجاك ان تكتب لي رسالة ان تخط لي فيها عذاب قلبي وهيامي وسهر الليالي .. لم يعد يسمع شيء .. كان صوت الريح فقط .. كان صوت الريح قويا .. كان مثل فراشة أستهوتها لعبة النور اقتربت منها فاحترقت وضع يده في جيوبه وراح يمشي ويمشي ناكسا رأسه الى الأرض وزهور الياسمين تتساقط من حوله مثل قطع ثلج بيضاء كأنها تعلن الحداد على قلبه الذي كسر في حضرة الياسمين .. وراحت هي تشيعه بنظراتها من شرفتها .. بعدما شعرت أنها أهدرت دم قلب أما هو فراح يختفي بين زهور الياسمين في وسط الحديقة حتى لم تعد ترى منه الا معطفه الجلدي الأسود الذي غطاه بياض الياسمين ..
في الصباح الباكر تناثرت زهور الياسمين على الأرض تعبث بها النسائم معلنه عن فصل الخريف الحزين ..
| 9105 | 813,01/904 | المكتبة الرئيسية | Available |
| 9152 | 813,01/904 | المكتبة الرئيسية | Available |
| 9153 | 813,01/904 | المكتبة الرئيسية | Available |
| 9151 | 813,01/904 | المكتبة الرئيسية | Available |
No other version available