كتاب
الرماد الدافئ
لعل الشفيع للكاتب محمد سي فضيل، أنه اختار مجالا غير بعيد عن هوس الكتابة الإبداعية، إذ كان يطل على القارئ من حين لآخر، بقصص مستلهمة من أعماق ثورة نوفمبر المجيدة ، ومن محيطه الاجتماعي هناك في عمق جرجرة، حتى كادت أن تتحول إلى سيرة ذاتية. ثم قام بجمعها وإصدارها في كتاب سنة 2007 تحت عنوان : ” الرماد الدافئ” ، علق عليها الكاتب والشاعر أزراج عمر بقوله: “تنبع أهمية هذه المجموعة القصصية من بعدين؛ أولهما تاريخي متعلق بجنس القصة القصيرة في الجزائر، وثانيهما سياسي- اجتماعي ذو صلة بقضايا الثورة التحريرية والمسائل التي تطرحها مرحلة الاستقلال، وإعادة تشكيل المجتمع الجزائري المعاصر”.
وبالنظر إلى تزامن كتابة هذه المجموعة القصصية مع مطلع الاستقلال، فإن كاتبها قد ساهم في بلورة معالم القصة القصيرة الجزائرية من جهة، وفي إثراء حركة التعريب من جهة أخرى، ومن ثم فإن أهميتها تتجاوز الإطار الفني.
وبالنسبة للقصة التي جعلها القاص عنوانا للكتاب (الرماد الدافئ)، فقد تمحورت حول شخصية حداد ساهم في الثورة، فهو لم يكتف بصنع وتصليح الأدوات الفلاحية فقط، بل كان يصنع الأسلحة للمجاهدين ويقوم بتصليحها. ولما اكتشف الفرنسيون أمره قتلوه، لكنه ترك -قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة- وصية لابنه تقضي بالحرص على إبقاء الموقد مشتعلا، لمواصلة النضال “… أبي مات.. استشهد في شتاء العام الرابع للثورة.. لقد عرفوا أخيرا أنه لا يشتغل -فقط- بصنع الفؤوس والمناجل، بل يصنع كذلك أسلحة كثيرة للثورة.. ويصلح منها ما يحتاج إلى الإصلاح. وذات يوم.. كانت فيه الثلوج في الزقاق، وفوق السقوف كثيرة، والنار في هذا الموقد شديدة تكاد تذيب الحديد، وكانت الأعمال كثيرة أيضا.. في ذلك اليوم جاؤو فقتلوا أبي. لقد سقطت المطرقة والكماشة من يديه، وسقط فوق السندان، وتوقفت يدي هي الأخرى عن تحريك ” النفاخة”( الكير)، وسمعت أبي يقول في اللحظات الأخيرة: ولدي .. حذار أن تطفئ نار الموقد.. إني أخاف من الرماد البارد.. دعه دافئا مشتعلا في كل حين.. إن الأهالي سيحتاجون من جديد إلى فؤوس ومطارق ومناجل كذلك”.
أما المجموعة القصصية الثانية (37 قصة)، الصادرة أيضا سنة 2007م، فقد اختار قصة “رسالة إلى والدي” عنوانا لها. وقع بصري أثناء تصفها على قصة” السر في وحدة القلوب”، تناول فيها فكرتين: آفات الاستعمار التي لخصها في الثالوث الخطير: المرض، والعري، والمسغبة، الذي يختزل العمر. أما الفكرة الثانية فتمحورت حول النهضة الإصلاحية، حين ذكر تأثر معلم القرية (عبد الله سي بشير) بالذكرى الأولى لوفاة الإمام عبد الحميد بن باديس، فبكى أمام تلامذته، الذين تعجبوا من أمره.
هذا وقد نجح الكاتب في وضع الحياة الاجتماعية لقريته القبائلية، كخلفية لهذه القصة، وهو الأمر الذي ذكرني بأسلوب الكاتب المبدع مولود فرعون، الذي طوّع الفرنسية، وجعلها وعاء للثقافة القبائلية (الزواوية)، وهذا مقطع من هذه القصة، مرصّع بأساليب البيان، أشار فيه الكاتب إلى أن الكثير من الوفيات تحدث خلال فصل الشتاء، المتميز في جرجرة بتراكم الثلوج وتهاطل الأمطار والبرد القارس، ونفاد الزاد لمعظم القرويين، بسبب الفقر المدقع: “… تلك الأحزان العميقة التي طوقتنا، لم تكن بسبب رحيل الضيف الأبيض البارد، ولكن بسبب فراق الكثير من الأقربين والرفاق، خلال الأيام العصيبة في الشتاء.. والجوع في الأيام المثلجة ليس بالأمر اليسير.. والمرض حين يتحالف مع العري ومع المسغبة يختصر العمر، ويعجل الأجل، لقد غادر الدنيا الحاج مُحَندْ خادم جامع القرية، والذي لا يسبقه أحد إليه عند كل فجر، ورحلت نـَنـَا ذهبية صانعة أواني الفخار لأهل القرية وما جاورها، ورحلت عنا نـَنـَا سعدية وولداها محمد السعيد ومحمد أكلي، ورحلت نـَنـَا الجوهر قابلة القرية التي تعتز بالعدد الهائل من الأطفال الذين أبصروا الحياة على يديها، ورحل علاوة الذي كان يجلس بجانبي في حلقة حفظ القرآن في الجامع، ومرزوق، ومحمد الشريف، وطاوس، ومحمد العربي… هؤلاء رحلوا جميعا عن هذه الدنيا متتابعين متقاربين في تواريخ رحيلهم، وأنا على يقين بأنهم لم يرحلوا متطوعين!! ولا راغبين في الرحيل!! ولكنهم كانوا مثل سابقيهم ومثل لاحقيهم بعضا من المأساة الاستعمارية في بلادنا.”
هذا وقد حالف الحظ كاتبنا محمد سي فضيل، في إجراء حوارات صحفية مع بعض رموز الثقافة، في مطلع السبعينيات من القرن الماضي، كالأديب توفيق الحكيم، والأديب نجيب محفوظ، والمفكر محمود أمين العالم، والمستشرق جاك بيرك، وقد جمعها ونشرها في كتاب بعنوان: “لقاء مع شهود القرن الراحل”(2).
هذا غيض من فيض مما يمكن أن يقال عن الأديب محمد سي فضيل، ولا شك أنه تصالح مع موهبته الأدبية بعد بلوغه سن التقاعد، فأعطى لها الحرية، وأعاد لها الاعتبار، وأطلق قلمها، لتعبر عما يختلج في دواخله، من أفكار وسوانح ونفحات، ستكون لبنات جديدة في دعم صرح القصة القصيرة، وجهودا إضافية لإثراء المكتبة الأدبية.
| 9670 | 813,01/851 | المكتبة الرئيسية | Available |
| 9649 | 813,01/851 | المكتبة الرئيسية | Available |
No other version available