كتاب
الأسس الفلسفية للحداثة - دراسة مقارنة بين الحداثة و الإسلام
منذ ان نشأت الحداثة وتطورّت في المجتمعات الغربية بمفهومها الفلسفي المتعارف عليه الآن والتي حاولت الابتعاد كثيراً عن مفاهيم الأديان الإلهية فإنها تحتل مركزاً رئيسياً في طروحات فلاسفة ومفكرين معاصرين
دأبوا على تركيزها في الساحة الفكرية والفلسفية العالمية كمشروع مقابل أو بمعنى أدق بديل لمشروع الأديان الإلهية.
حيث تتمحور الحداثة حول نقطتين رئيسيتين يدور في مدارهما تقريباً كلّ المشروع الحداثي بمختلف مدارسه ومذاهبه وآراء مفكريه هما: مركزيّة الإنسان وانه قطب الوجود الفاعل الذي من حقّه ان يتصرف بما يمليه عليه عقله وذائقته، وما ينسجم مع ذاته ورغباته ويحقق له الراحة الدنيوية من إشباع شهوات العقل والجسد بدون مؤثر ومُسيّر خارجي، وهذه النقطة هي جوهر الفكر الحداثي، والنقطة الأخرى التي يؤكدها هذا الفكر هي القطيعة مع الماضي الديني والاجتماعي والموروث الثقافي فلا نصوص إلهية ولا رسُل ولا شرائع سماويّة حتى وصلوا إلى مستوى بأن جعلوا الإله فرضيّة لا وجود لها على أرض الواقع كما يقول(لابلاس).
وامتلأت المكتبات في كلّ ارجاء العالم منذ قرون بكتب الحداثة التي تحولت من أفكار موزّعة هنا وهناك وتجارب مختبريّة فرديّة عند الفلاسفة والمفكرين إلى مذاهب فلسفية ذات مناهج بها من التعقيد الكثير، وأيضاً زامن مشروع الحداثة مفكرون وفلاسفة من نفس هذه المدارس وتخرّجوا على يديها جاؤوا لنقد أساتذتهم وأفكارهم وطوّروها، واثبتوا البعض وأهملوا البعض الآخر في محاولات كثيرة وصقل متواصل لرأب الفراغات التي لم تستطع هذه الحداثات معالجتها، ذلك لأن ذات الإنسان في حقيقتها ميّالةً إلى الاعتقاد بوجود الخالق والاعتقاد بمشروع ديني ينظّم حياة الفرد والمجتمع البشري ككلّ.
وفي الشأن الإسلامي لم تظهر الكتب التي تعنى بنقد الفكر الحداثي قديماً فقد اعتبره علماء الإسلام هشّاً ولا يرتقي إلى مصاف مقارنته بالدين الإسلامي كي يُعمل على نقده ومقارعته، لذلك ظلّ هذا المشروع بعيداً عن الفكر الإسلامي والساحة الثقافة الإسلامية.
لكن هذا الفكر استطاع التسلل إلى المجتمعات الإسلامية من خلال أفكار ناغمت الأفكار الدينية كطرح نظرية المستقبل السعيد للإنسان من وجهة النظر المادية مثلاً وغيرها، بأفكار برّاقة في ظاهرها، وبهذا ظهرت في نهايات أربعينات القرن الماضي وبداية الخمسيات في مجتمعاتنا العربية والإسلامية أصداء للحركة الماركسية التي استطاعت التأثير بشريحة كبيرة من المثقفين وتبنوّها وأدخلوها حيّز التفكير العربي الإسلامي، وهنا بات لزاماً على العلماء والمفكرين الإسلاميين دحض هذه الشبهات، ولعلّ أول محاولة جادة من حيث الطرح والمنهجية في هذا المجال هي الكتب القيمة التي صدرت للمفكر الإسلامي الكبير السيد الشهيد محمد باقر الصدر(قده) أبان سبعينات القرن الماضي التي كان لها ولا زال الأثر الكبير في التصدي للمدّ الفكري الماركسي بأسلوب علمي رصين ولغة معاصرة حديثة في الطرح والاستدلال، وحينها بدأت الدراسات النقدية التي جاءت بعده معضدّة للمنهجية الفلسفية الإسلامية التي طرحها هذا المفكر الكبير.
ومع ظهور أفكار فلسفية جديدة ومدارس أخرى للحداثة الغربية كالبنيويّة والظاهراتية والتفكيكيّة وغيرها والتي قرأ من خلالها الفلاسفة والمفكرون المستقبل البشري والأديان والثقافات والمجتمع والأخلاق على ضوء هذه المناهج، وكان من الواجب إغناء المكتبة الإسلامية برسائل وبحوث تدْرس وتحلّل وتقارن وتنْتقد هذه الأفكار والمناهج، تؤيد الصحيح منها وتقف بالضدّ من نقاط التراجع وتوضّح غاياتها بدءاً من القطيعة مع الماضي والأنبياء والرسالات وصولاً إلى القطيعة مع الله تعالى، فكان السيد صدر الدين القبانجي من أولئك العلماء المعاصرين الذين غذّوا المكتبة الإسلامية بدراسات وبحوث نقدية للفكر الحداثي بدئها بكتاب(الإسلام وإشكاليات الحداثة) وكتاب (لمحات في نقد الفكر الحداثي) التي جمعت من قبل تلامذته من عشرات البحوث ومئات المحاضرات في نقد الفكر الحداثي وعلى مدى سنين ألقاها على طلبة الجامعة الإسلامية في النجف الأشرف، وطلبة جامعة الإمام المهدي(ع) للدراسات الدينية حوزوياً وأكاديمياً بأسلوب مبسط خالٍ من التعقيد.
وإذ يطالعنا من جديد بكتاب ينتقد فيه الفكر الحداثي هو(الأسس الفلسفية للحداثة - دراسة نقدية مقارنة بين الحداثة والإسلام) هو أشمل من الكتابين سابقيّ الذكر وأغزر مادةً دالاً على سعة اطلاع وهضم لأفكار الحداثة وأراء روّادها، كتبه بأسلوبه الشيّق المبسط المعروف وقد أحتوى هذا الكتاب على أربع فصول وخاتمة نلخصها كما يلي:
في التمهيد: يحتوي على تعريف للحداثة من وجهة نظر الفلاسفة والباحثين وسير تاريخي مع هذه الفكرة منذ نشوئها ومراحل تطورّها حتى وصولها إلى مرحلة المنهجية وتحديد الأسس الفلسفية التي قامت عليها وتعريفها تعريفاً آخر هو ان الحداثة عبارة عن (منهج في تكوين الرؤية الفلسفية للوجود(الكون والحياة والإنسان) يبتنى على أساس محورية الإنسان، واعتماد العقل، وقانون الحركة والتطوّر في الوجود) وتتلخص هذه الأسس بـ: محورية الإنسان، والعقلانية، ونظرية الحركة وقانون التطوّر العام.
في الفصل الأول: يتناول السيد القبانجي النزعة الإنسانية نشأةً وتحليلاً وتعريفاً، وعرضاً للدلالات الفكرية لها في مجالات المعرفة، والدين، والفلسفة، والأخلاق، والتاريخ، والحياة والسعادة، والطبيعة، والمجتمع والقانون، ومناقشة آراء المفكرين في هذه الدلالات مناقشة علمية مستفيضة ومقارنتها بالفكر الديني الإسلامي هذا في البحث الأول.
في البحث الثاني: تضمّن نقد النزعة الإنسانية من ثلاث وجهات نظر هي: النقد الفلسفي للنزعة الإنسانية ومناقشة أقطاب الفكر الحداثي أمثال شوبنهاور ونيتشه وماركس وهايدجر وغيرهم، والنقد العلمي للنزعة الإنسانية مناقشاً فيه المدارس العلمية هي مدرسة التحليل النفسي لفرويد ونظرية تطوّر الأنواع وأصل الإنسان لدارون ومدرسة التحليل المادي للفكر والإدارك لبافلوف والمدرسة البنيوية لشتراوس، والنقد الديني للنزعة الإنسانية مشيراً فيه إلى الجوانب المعتدلة واتفاقها مع النظرية الدينية كتحرير الإنسان من الخرافة وتحفيز إرادته لصنع المستقبل واعتماد العقل والتجربة البشرية وغيرها، وإيضاح الجوانب المتطرفة في هذه النزعة كالقطيعة مع الله تعالى ومع الآخرة ومع القيم الأخلاقية ومناقشة هذه النظريات والجوانب مناقشة علمية دقيقة.
في البحث الثالث: قارن بين النزعة الإنسانية من رؤية مادية والنزعة الإنسانية من الرؤية الإسلامية واشتراك النظريات الإيجابية لهذه النزعة وتصحيحها مع المفاهيم الإسلامية من عبودية لله وعناية إلهية للإنسان وإنه مكرّم ومفضل على سائر المخلوقات، والرعاية المستمرة منه تعالى وان الله فضل الإنسان بالعقل وغيرها من المفاهيم التي يؤكد عليها الإسلام.
في الفصل الثاني: بحث بها السيد القبانجي المبدأ الثاني من مبادئ الحداثة وهو العقلانية من حيث النشأة التاريخية والظهور والتطور على أيدي الفلاسفة الغربيين في بحثه الأول.
وفي البحث الثاني: أشار إلى مداليل هذه النزعة من ان العقل هو المصدر الوحيد للمعرفة، وان العقل يصنع المعرفة وان الوجود هو من نزعات الإنسان الذاتية كاليقين، وان لا توجد معلومة ثابتة، ووضع العقل بديلاً للأخلاق.
في البحث الثالث: بحث نقدي لهذه النزعة وتقييمها وعرض الجوانب المتعدلة منها ورفض الجوانب المتطرفة بناءً على الرؤية الإسلامية الحقّة، ثم نقدها نقداً فلسفياً بعد مناقشة مذاهبها التجريبية والمثالية الفلسفية وتعدد الحقيقة والمدرسة الظاهراتية والمذهب الذرائعي والمنطق الوضعي ونظرية تطور الفكر والوقوف على آراء مفكّريهم ثم خلاصة نقدية فلسفية حسب الرؤية الإسلامية لهذا البحث.
في البحث الرابع: الذي عرض فيه السيد القبانجي النزعة العقلانية بحسب الرؤية الإسلامية مستدلاً بالقرآن الكريم والسنة الطاهرة ملخصاً ذلك بمجموعة مناهج توضح الخطأ الذي وقع فيه فلاسفة العقلانية وخطأ المناهج المتبعة في نقد الفكر الديني الذي يؤمن بخمسة مناهج صحيحة وهي: اعتماد البديهيات العقلية، والبرهان(التأمل) العقلي، واعتماد التجربة والاستقراء(المنهج العلمي)، واعتماد الوجدان الفطري الذي يصل إلى المعلومة بشكل مباشر، كشف المعلومة عبر وحي الأنبياء(ع).
في الفصل الثالث: تحدث سماحته عن الأساس الثالث من أسس الفلسفة الحداثية وهو مبدأ الحركة وقانون التطور العام الذي عرض في بحثه الأول التداعيات الفلسفية لهذا المبدأ وما شهده من تفسيرات مادية ووجودية جديدة للوجود، حيث يشير إلى ان التفسير المادي تطور عبر نظريتين هنا التفسير الميكانيكي أو(المادية الساكنة) التي لم تقف بالضاد من الإيمان بالله الخالق ولكنها وقف حياديّة تجاه هذه المسألة، والنظرية الأخرى هي النظرية المادية الدياكتيكية التي فسّرت الوجود كله على أساس مادي مستعرضاً آراء مفكري الماركسيّة في هذا الشأن وما يتعلق بتطوّر الحقيقة، وقانون التتابع بدل قانون العليّة، وتحدث عن التفسير الوجودي للكون والفلسفة الوجودية ورؤاها من أصالة الوجود، وانه لا يمكن فهمه، وان الأنا هي التي تصنع الأشياء، وان الموقف هو عدم الإرادة، وان لا وجود للقيم الأخلاقية، وان لا غاية ولا إرادة ولا وعي لهذا الوجود، وحول الشر والتناقض في الكون، ونقد هذا التفسير بحسب الرؤية الإسلامية وهي: ان الحركة الميكانيكية لا تغلي نظرية الخالق، وان قانون التتابع لا يغير الموقف الفلسفي، ونقد نظرية الذاتية في الحركة وغير ذلك.
وقدم بهذا الشأن مجموعة من الإيضاحات حول الديالكتيك وانه يعني صراع الأضداد، وانه أختلف في طرح مفكريهم بين المادية واللامادية، وان المادية هزمت أمام التفسير العلمي للمادة، وفي نقده للمادية الديالكتيكية قدم عرضاً للملاحظات التي سجلها الفلاسفة الإسلاميون على المادية الديالكتيكية من ان قانون التناقض الذاتي هو عملية غير مبرهنة، وان النظرية الديالكتيكية تناقض نفسها في قانون التناقض العام، وانها عاجزة عن تفسير التناسق الكوني، وان الفلسفة الإلهية ترى ان فرضية التناقض العام هي فرضية مستحيلة.
في البحث الثالث: قدم السيد القبانجي نقداً حول التفسير الوجودي للكون مشيراً إلى ان الوجودية لم تكن ملحدة على طول الخط، لكنها وقعت في أخطاء أشار إليها هي: الفهم الناقص لأصالة الوجود، والإعراض عن خطاب الوحي، والإيمان بفلسفة العبث والعدمية، والتأثر بمشاهد البؤس والشر في الكون معتبرة ذلك دليل عل اللاهدفية في الكون، ورفض القيم الأخلاقية، وضياع الحقيقة بين الذات والواقع، والاستسلام للحياة البائسة والقلق بلا حدود.
هنا أشار السيد القبانجي إلى محاولات الوجودية للخلاص من البؤس عبر مجموعة من الأفكار الفلسفية ومناقشتها هي: محاولات نيتشه في فكرة العود الأبدي والإنسان المتفوق عن طريقي العلم والوجدان، ومحاولة كارل يسبرز في فكرة التسليم الإيجابي للوجود، ومحاولة جبريل مارسل في فكرة لقاء الذات، ومحاولة جان بول سارتر وفكرة إدراك الحرية، ومحاولة برتراند رسل وفكرة الحل عن طريق الرياضيات.
في الفصل الرابع: أختتم السيد القبانجي كتابه بفصل التفسير الديني للكون الذي جعله فصل الخاتمة مقدما به خلاصة النظرية الدينية في فهم الكون والتعامل معه عن طريق مجموعة من الأصول هي:
1- الأصل الأول:- خالق الكون مشيراً إلى نقاط الاتفاق مع الفلسفات الغربية وهي الواقعية، واليقينية، والعقلانية، والتناسق والغائية، وان الكون ليس قديماً، والتأكيد على ظاهرة التطور في الكون، وان الكون يحتاج إلى خالق، وان القوانين الطبيعية تستبطن الوعي والطاقة، والتأكيد على ان قانون الوعي شاهد على التطور، وان الله تعالى قادر على تجاوز القوانين، وان لديه تعالى كل صفات الكمال، وانه(عز وجل) لا يحتاج إلى علّة، وكذلك انه لا يفعل الشر سبحانه، وهو تعالى ملتزم بالقيم الأخلاقية.
2- الأصل الثاني:- تحدث عن الأصل الثاني وهو العلاقة بين الخالق والمخلوق عبر مجموعة من العلاقات هي: العناية التكوينية، والعناية التعليمية التي منها دور الأنبياء وحق التشريع وان لا تصادم بين العقل والشرع، ومن العلاقات ان الإسلام هو الشريعة الخاتمة، وان النبوة لطف إلهي، وعصمة الأنبياء، وان الإنسان هو خليفة الله على الأرض، والرؤية المتكاملة عن ذات الإنسان، وان الدين ضرورة في حياة الإنسان، وان مسؤولية الإنسان هي القرب من الله تعالى، ثم العناية السياسية الذي هو دور الأنبياء والأئمة(ع) من أجل بناء المجتمع الصالح، والاعتماد على إرادة الإنسان وقيادة الأنبياء، وان الإمامة هي استمرار للدور القيادي، ينتج عن ذلك بناء المستقبل السعيد للبشرية.
3- الأصل الثالث:- تحدث السيد القبانجي عن العودة إلى الله تعالى على مرحلتين الأولى هي العودة الكونية الكبرى، والثانية عودة الإنسان إلى الله مقارنة مع رؤى حداثوية لتلك الانعكاسات الأخروية.
حيث إننا لا نستطيع بهذه العجالة حصر الفكرة الكاملة لهذا الكتاب القيم، داعين القراء الأعزاء بمختلف مستوياتهم الثقافية والأكاديمية والعلمية إلى مطالعته والنظر في أبوابه وفصوله بما تحويه من بساطة في الطرح وسهولة في عرض الفكرة مع الوضوح والدقة.
| 1008 | 149,7/60 | المكتبة الرئيسية | Available |
| 1007 | 149,7/60 | المكتبة الرئيسية | Available |
| 1005 | 149,7/60 | المكتبة الرئيسية | Available |
| 1006 | 149,7/60 | المكتبة الرئيسية | Available |
No other version available