كتاب
أدبيات النقد الذاتي في الفكر العربي
كتاب “أدبيات النقد الذاتي في الفكر العربي” للدكتور محمد الرحموني. ويدرس الكتاب أثر النكبة في فلسطين على الفكر العربي وبروز ظاهرة النقد الذاتي في كتابات المفكرين العرب، كما يحلل الكاتب تطور الأدب والمسرح والشعر وكيف تفاعلت مع هذا الحدث الجلل. ويعتبر هذا أول كتاب يؤرخ لمؤلفات النقد الذاتي الذي تعددت بعد هزيمة 1948، وهو إلى جانبه التأريخي والتحليلي يحتوي قسما نقديا لعدد من الآراء في ” النقد الذاتي” التي ملأت المكتبات العربية في فترة من الزمن. لقد انطلق المؤلف من حدث عسكري وحضاري مؤلم، إذ مثلت النكبة مأساة حقيقية للشعب الفلسطيني وللعرب قاطبة، ففي الخامس عشر من مايو أسدل الستار على مرحلة من أخطر مراحل التاريخ العربي امتدت إلى نحو خمسة عقود. وكانت لهذه النكبة آثارها وتداعياتها على الحركات الوطنية العربية الفلسطينية وغير الفلسطينية وعلى الفكر والأدب والمسرح والشعر، وقد سارع المفكرون والمثقفون عموما إلى تحليل تلك النكبة، في محاولة منهم لاستخلاص الدروس المستفادة.
واعتمد المؤلف، وهو أستاذ الحضارة الاسلامية بالجامعة التونسية، في بحثه على عدد من المدونات التي ألفها مفكرون عرب إثر هذا الحدث وهم: أنيس صايغ، في كتابه “فلسطين والقومية العربية” وماهر الشريف في كتابه “البحث عن كيان: دراسة في الفكر السياسي الفلسطــيني (1908, 1993)” وعبد الله عبد الدايم، في كتابه “نكبة فلسطين عام 1948: أصولها وأسبابها وآثارها السياسية والفكرية والأدبية في الحياة العربية” وعبد القادر ياسين، في كتابه “الإفلات من فخّ النكبة”.
وقد اعتبر محمد الرحموني أن النكبة كانت تحديا قاسياً وجدّياً واجهه العرب في العصر الحديث وضع وجودهم وكيانهم موضع شك. وقد كان لها تأثير ملموس وفوري على أهم مجالات الحياة العربية. ففي المجال السياسي وكردّ فعل على تخاذل الأنظمة العربية في حماية فلسطين تمّ اغتيال رئيسي وزراء مصر ولبنان والملك عبد الله، ملك الأردن: كما أطيح برئيس سوريا وملك مصر إثر انقلابين عسكريين. وبالجملة “ألهبت النكبة الوطن العربي كلّه بنار الكفاح والعروبة فقامت الثورات العظيمة في القاهرة والجزائر وبيروت وبغداد واليمن”.
أما فكرياً فلم يكن تأثير النكبة أقل دوّياً من تأثيرها السياسي. فإذا كان السياسيون قد حمّلوا “الحكّام التقليديين والرجعيين” مسؤولية النكبة فإنّ المفكرين قد حمّلوا الوجود العربي كلّه، واقعه وماضيه، مسؤولية ما حصل، فسارعت الأقلام في شتى المجالات ترد على النكبة شعراً وقصة ومسرحا، حتى إن هناك من يرى، على خلاف غالبية نقاد الشعر، أن ظهور الشعر الحرّ في تلك الفترة قد كان بتأثير النكبة (أنظر كتاب صالح الأشتر “في شعر النكبة” الذي صدر عن مطبعة جامعة دمشق 1960) . وقد رأى رواد النقد الذاتي أنّ النكبة قد أيقظت الفكر العربي من جموده وأطلقته من قيوده فانبرى يجدد ويبدع مؤسساً لنهضة جديدة. ومع ذلك لم يحظ هذا الفكر الناقد بما يستحقه من عناية.
ويقول المؤلف أن نصيب التاريخ والسياسة في الدراسات التي اعقبت النكبة كانت أوفر حظا من نصيب الفكر، إذ لم ينل الجانب الفكري من القضية نفس الدرجة من الاهتمام رغم ما للقضية الفلسطينية من أثر في الفكر العربي. كما يؤكد المؤلف أن النكبة لم تلهم أقلاماً كثيرة، شعراً وقصة ورواية ومسرحا فحسب، بل رأى فيها كثيرون الحدث الذي وجّه الفكر العربي منذ منتصف القرن العشرين، ورأى البعض أنها دشنت عهد نهضة جديدة ورأى آخرون أنها ساهمت في تقوية التيار التقليدي في الفكر العربي. ومهما تكن طبيعة أثر النكبة في الفكر العربي، فإنّ للقضية الفلسطينية عموما نكبة ونكسة وهزيمة وكارثة وغزوا، مكاناً مركزياً في تاريخ العرب المعاصر. وفي أعمال المفكرين العرب المعاصرين ما يؤكد ذلك.
وقسم المؤلف بحثه إلى الأبواب التالية:
– مدخل تاريخي حرص فيه على تقديم خلاصة مركزة لتاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية طيلة نصف القرن السابق للنكبة، كما حرص على توجيه هذه الخلاصة نحو الموضوع الرئيسي بما هو موضوع فكري حضاري وليس موضوعاً تاريخيا خالصاً.
* الباب الأول وقدم فيه (نصوص النقد الذاتي) وهي مدوّنة العمل، والهدف من ذلك التعريف بالنصوص التي لم تقرأ سابقاً وخاصة، بصفة أساسية، نصوص مالك بنّابي ونصوص خالد محمد خالد.
* الباب الثاني وقدم فيه (مضامين النقد الذاتي) وهي العوامل الذاتية التي رآها النقد الذاتي سبباً في النكبة. ويعنى النقد الذاتي بالعوامل الذاتية كل الوجود العربي التقليدي بحيث رأى هذا النقد أننا نكبنا في فلسطين لأننا “نأكل كثيراً ولأن نساءنا يلبسن الكعب العالي”عدو الثورة”، ورجالنا يتعثّرون في العباءات ويزيّنون رؤوسهم بالطرابيش، ولأنّ موسيقيينا يلحّنون التثاؤب وينغّمون التنهد، ولأنّ لغتنا ما زالت تفرق بين المذكر والمؤنث، ولأننا ما زلنا نخلط بين الدين والسياسة… الخ.
* الباب الثالث وقدم فيه (معنى النقد الذاتي) وهو تعريف يقول المؤلف أنه أوّل مساهمة جدية لتعريف النقد الذاتي. وقد استخلص هذا التعريف من نصوص النقد الذاتي نفسها، وخصوصا كتاب “النقد الذاتي” لعلال الفاسي، وذلك عبر النظر في سماتها العامة التي تسمح لنا بتمييزها عن غيرها من النصوص، وخصوصا نصوص مرحلة “النهضة”.
* الباب الرابع والأخير خصصه لـنقد النقد الذاتي وهو تقييم لهذا النقد وبحث في علة فشله وقد وجده المؤلف في جملة من الأفكار الخاطئة سمّاها “التفكير عسكرياً” أي بمنطق العسكريين الماسكين بزمام السلطة آنذاك، و”التفكير صهيونياً” أي الوقوع في “حبائل” الدعاية الصهيونية حول الإنجازات “المعجزة” للصهيونية واليهود في فلسطين، و”التفكير إيديولوجيا” أي قراءة التاريخ والحضارة العربيين والغربيين قراءة إيديولوجية لفائدة “دولة العسكر” لا بحثاً عن الحقيقة.
وقد تعمق المؤلف في المدونة النقدية حتى توصل إلى نتيجة مفادها أن نصوص النقد الذاتي قد انطلقت بالبحث في أسباب هزيمة عسكرية مدوية وانتهت بالبحث في قضايا حضارية أي أن ما كان في الأول هزيمة عسـكرية وسياسـية انتـهى إلى “قاعه الحضاري”. فأيّة علاقة بين الحرب والحضارة؟ وأية علاقة بين الحرب والتاريخ بما أن النكبة حدث رئيسي في تاريخ العرب المعاصر؟ وكيف نرتب العلاقة بين الثالوث: حرب/تاريخ/حضارة؟
ولكن المؤلف يقر أيضا بأنه رغم هذا “العمق” في فهم عوامل النكبة وأبعادها فإنّ هذا النقد لم يغيّر شيئاً من واقع العرب ولم يمنع حدوث نكسة 1967. فأين الخلل؟ وللإجابة على هذا السؤال يقول: يكمن الجواب في ما سمّيناه “التفكير الخاطئ” في النقد الذاتي، فقد كان هذا النقد من ناحية يدعو إلى الجرأة والعمق في تناول قضايا المجتمع والتاريخ والحضارة ولكنه كان من جهة أخرى “يحتفل” باشتراكية العسكريين الذين استولوا على السلطة آنذاك وكان يرى فيها “انقلاباً حضارياً جذرياً أو دورة حضارية جديدة”. لقد وقع هذا النقد مثل غيره في “غرام العسكر” وكانت النتيجة فكراً أو نقداً إيديولوجياً يحمل بداخله كل هنات الفكر الإيديولوجي باعتباره وعياً زائفاً. ويكتسب هذا الكتاب أهمية خاصة في الدراسات الحضارية لأنه يتناول بالدرس أحد اهم الاحداث المعاصرة التي أثرت في تاريخ العرب، كما يحلل مسار أهم مؤلفات مفكري وكتاب تلك المرحلة في ما سمي ” بالنقد الذاتي”.
وقد صدرت للمؤلف عدة كتب أخرى منها: “من الهجرة إلى الدعوة إلى الدولة”، عن دار الطليعة وكتاب “ما الثورة الدينية: الحضارات التقليدية في مواجهة الحداثة”، عن المؤسسة العربية للتحديث الفكري- دار الساقي وكتاب “الدين والإيديولوجيا: جدلية الديني والسياسي في الإسلام وفي الماركسية:، عن دار الطليعة بيروت.
| 12121 | 810/65 | المكتبة الرئيسية | Available |
No other version available