كتاب
علم الدلالة عند العرب : فخر الدين الرازي نموذجا
يتناول محيي الدين محسب في كتابه «علم الدلالة عند العرب» الذي ينهض على ما تقدمه الدراسات اللغوية الأخرى، متمثلة في المعاجم التي تقدم معاني الكلمات المفردة، وعلم الصرف الذي يقدم معاني الصيغ، وعلم النحو الذي يعول عليه في معاني التراكيب. كل هذا يجعل علم الدلالة درساً تلتقي فيه العلوم اللغوية، لتؤلف منهجاً ونظاماً متكاملاً لفهم الكلام والآثار الأدبية نثرية كانت أو شعرية.
ويتمحور الكتاب على دراسة علم الدلالة عند العرب من خلال ما قدمه فخر الدين الرازي، حيث ينطلق من وجه نظر ترى أنه لكي تتحقق لدينا الدراية الكافية بما أنجزته المعرفة الفكرية في ظرفها التاريخي القديم، فلا بد أن يكون النظر إلى هذه المعرفة متسماً بالشمول والإحاطة، بحيث لا يقف عند من صنفتهم كتب التراجم والطبقات تحت عنوان اللغويين والنجاة.
مع أن المؤلف يسلّم بأهمية جهود هؤلاء وقيمتها؛ لكن هنالك معالجات وتأملات تتسم بقدر كبير من العمق والأصالة وحسن التمثل للثقافات الوافدة لدى بيئات فكرية أخرى كالمتكلمين والأصوليين والمفسرين والفلاسفة وغيرهم. ويعتقد المؤلف بأن الإحاطة بجهود هؤلاء جميعاً تعطي صورة دقيقة ومتكاملة عن الفكر اللغوي العربي. وعليه يهدف كتابه إلى تقديم نموذج متميز، يمكن أن يقال عنه إنه يمثل حصيلة مركبة للفكر الكلامي والأصولي والتفسيري والفلسفي في تراثنا القديم.
ومن بين الأمور التي يدركها المشتغلون بتاريخ الدرس اللغوي العربي، أن البحث في طبيعة الدلالة ونظرية المعنى وقضاياه لم يفرد لها في تراثنا القديم مؤلفات متكاملة مستقلة، وإنما جاءت تصوراتهم ومفاهيمهم ومعالجتهم متناثرة في سياقات تأليفية مختلفة.
فعلى سبيل المثال، جاء بحث ما يمكن أن يشكل جزءاً مما يسمى الآن بعلم الدلالة النبوي في إطار المؤلفات النحوية تارة، وفي إطار علوم البلاغة تارة أخرى، فضلاً عن معالجات علماء الكلام وعلماء الأصول لدلاليات التركيب القرآني، ومعالجات النقاد لدلاليات التركيب الشعري. كما جاء ما يمكن أن ينتمي إلى مسألة المجالات الدلالية ضمن رسائلهم ومعجماتهم في ألفاظ مدلولات مختلفة، كالشجر والنبات والخيل والمطر وغير ذلك مثل كتاباتهم في الترادف والمشترك والأضداد وغير ذلك.
ويبحث المؤلف في الأطر الدلالية ومقومات مفهوم اللغة، متناولاً المنطلقات الفكرية الأساسية التي وجهت معالجة الرازي لقضية الدلالة، ومن ثم ينظر في معالجة الإطار الاشتقاقي، الذي تمثلت فيه رؤية الرازي للعلاقة بين اللغة والعالم الخارجي. وكذلك معالجة الإطار العقلي، الذي تمثلت فيه رؤية الرازي للعلاقة بين اللغة والعقل. إضافة إلى النظر في معالجة الإطار الثقافي، الذي تمثلت فيه رؤيته لعلاقة اللغة بالمجتمع والتغيير الاجتماعي.
كما يبحث المؤلف في دلاليات أنواع الكلام، حيث يبدأ بتوطئة حول مفاهيم الكلمة والكلام واللفظ والمستعمل والمهمل عند الرازي. ثم يتناول دلاليات الاسم، من خلال تعريفاته وأنواعه وأحكام كل نوع وارتباطه بمقومات الجنس والعدد والتعيين، ثم دلاليات الفعل والحرف؛ مناقشاً التعريفات السابقة على الرازي، ومعالجاً قضية دلالة الفعل على النسبة، ودلالته على الزمن، وسوى ذلك من القضايا المتعلقة بهذين النوعين من الكلام، إضافة إلى معالجة بعض ظواهر اللغة الطبيعية، كالترادف والاشتراك، وقضية وضوح اللفظ وخفائه من حيث دلالته على مدلوله.
والمعروف أن الإمام فخر الدين الرازي المتوفى سنة 606 للهجرة، ألف التصانيف المشهورة في الأصليين والمعقولات وعلم الأوائل وغير ذلك من شتى فروع المعرفة آنذاك. ويحدد المؤلف مبحثه في كتاب الرازي «التفسير الكبير» المشتهر ب«مفاتيح الغيب». وهو الكتاب الذي فسّر في الرازي القرآن، وخرج فيه عن منهج السلف في الأسماء والصفات فأوّل واستطرد في ذكر الشبه، حتى أنهم قالوا فيه: يذكر الشبهة نقداً، ويجيب عليها نسيئة. واستطرد كثيراً في العلوم العقلية.
ويختار المؤلف جانباً محدداً هو الجانب الدلالي من موضوع علم اللغة، ولعله أخطر جوانب اللغة وأكثرها تعقيداً. لكن على الرغم من هذا التحديد فإن ذلك لم يستدع إغفال النظر إلى كل ما توفر لديه من مؤلفات الرازي الأخرى، وذلك للكشف عن مدى الاتساق الفكري في رؤية الرجل، أو لإلقاء مزيد من الإضاءة على هذه الفكرة أو تلك.
وقد توزعت تلك المؤلفات ما بين علوم عدة، فهناك «المحصول» في أصول الفقه، و«أساس التقديس»، و«أصول الدين» في علم الكلام، و«محصل أفكار المتقدمين والمتأخرين» في تاريخ الأفكار الفلسفية والكلامية ونقدها، و«نهاية الإيجاز في دراية الإعجاز» في البلاغة.
وهذا يستدعي البحث النظر في كتب له قد تبدو بعيدة الصلة، مثل كتابه «الفراسة» الذي وجد فيه المؤلف بعض الإشارات التي تدخل في إطار الدراسة السيميوطيقية، وهذا علم وثيق بالعلاقة بعلم الدلالة، وذلك كحديثه عن تنوعات الإدلاء الصوتي وشكل أعضاء الجسم وانفعالات الإنسان، واعتبار كل ذلك علامات دالة على الخصائص العقلية والنفسية والأخلاقية.
وقد سعى المؤلف إلى تقديم صورة واضحة لفكر الرازي الدلالي، من خلال عرض الأسس والتصورات التي شكلت مفاهيم الرازي حول مسألة المعنى اللغوي، وعرض مختلف الجوانب التحليلية التطبيقية لتلك الأسس والتصورات. وكان للاتجاه الفلسفي والتناول المنطقي الغلبة الواضحة في فكر الرازي. ويخلص المؤلف إلى القول بأن الدلالية عند الرازي كانت دلالية ذهنية، يحكمها في الأساس مبدأ العلاقة التمثيلية بين الفكر أولاً واللغة ثانياً، ومبدأ مطابقة الكلام لقوانين المنطق العقلي. وقد عزز اتجاهه الأصولي هذه النظرة العقلية.
وباعتبار أن الرازي كان يعتمد على تاريخ ممتد من الفكر السابق له، فقد كان مهما الرجوع إلى مصادر ذلك الفكر، حتى يتسنى تقويم دور الرجل ومدى إضافته إلى سابقيه. والنتيجة هي دراسة تتسم بالشمول المعرفي التأصيلي لجوانب النظرية الدلالية في الفكر اللساني العربي القديم، الذي تجسد في عمل أحد أعلامه الكبار، وهو تفسير فخر الدين الرازي.
ونظراً لأن هذا التفسير كان مجالاً مارس فيه الرازي مكتسبات تعدد مصادره المعرفية: الفلسفية والأصولية والكلامية واللغوية والبلاغية، فإن ذلك أتاح للمؤلف أن يقدم صورة متكاملة لبنية النظرية الدلالية العربية منطلقاً من الأطر الدلالية الثلاثة، الاشتقاقي والعقلي والاجتماعي، التي أسست مفهوم اللغة في هذا الفكر. إضافة إلى اهتمام المؤلف بالتاريخ التحليلي للمسائل الدلالية، من خلال تصديه لدراستها وبحثها، سواء عند سابقي الرازي أم عند لاحقيه. فضلاً عن ذكر جوانب متعددة من المقاربات الدلالية الحديثة لهذه المسائل.
أنواع الكلام
يعثر الباحث في دلاليات التركيب، على تقسيم الرازي لأنواع الكلام حسب وظائفها الدلالية، من حيث دلاليات التركيب الإنشائي، مثل الاستفهام والأمر والنهي والقسم والتعجب والمدح والذم. ثم دلاليات التركيب الخبري، ومعالجة فكرة الإخبار، واتصالها بقضية التحقق الخارجي، ثم قضية الإخبار في الجملة الاسمية والإخبار بالجملة الفعلية، وانتهاء بتناول بعض المخصصات الدلالية، كالنواسخ والصفة والاستثناء ، إضافة إلى التركيب الشرطي.
| 3217 | 412,927/78 | المكتبة الرئيسية | Available |
| 3218 | 412,927/78 | المكتبة الرئيسية | Available |
| 3219 | 412,927/78 | المكتبة الرئيسية | Available |
| 3220 | 412,927/78 | المكتبة الرئيسية | Available |
| 3839 | 412,927/78 | المكتبة الرئيسية | Available |
| 3840 | 412,927/78 | المكتبة الرئيسية | Available |
| 3841 | 412,927/78 | المكتبة الرئيسية | Available |
| 3842 | 412,927/78 | المكتبة الرئيسية | Available |
No other version available