كتاب
الأمن الإنساني والمتغيرات المجتمعية في العراق
لعله بات من المسلم به أن أمن الإنسان هو جوهر الحق في التنمية، وليس ثمة تنمية بدون بيئة مؤاتية تتميز بالاستقرار ، وتخضع لقوانين نافذة وعادلة، وحكم رشيد، وفرص متساوية، ومشاركة حقيقية. لذا يمكن النظر إلى تهديد البيئة المجتمعية بوصفها انتهاكاً فظْاً لأمن الانسان بكل ما يتضمنه من عناصر، فهو يحرم الإنسان من حقه في الأمن والخصوصية، وفي السكن مكاناً، وملكيةً، ونسيجَ علاقاتٍ اجتماعيةٍ، وتاريخاً من الخبرات والمصالح المشتركة، وانتماءً للمكان بكل ما يعنيه من رموز وذكريات.
وإذا دققنا النظر بما يحدث في العرق اليوم، نجد أنه أشكال متعددة من الانتهاكات، بعضها عرضي، لكن آثارها مباشرة، كما في حالات العنف المباشرة التي يكون الإنسان موجوداً في دائرة مخاطرها، وفي بعضها الآخر يكون الإنسان ذاته هدفاً لها، كما في عمليات استهداف الناس عن طريق الخطف والاغتيال. وبين هذه وتلك، تتعدد مصادر الخطر والانتهاك والتهديد، وتتداخل لتؤسس بيئة يفتقر فيها الناس إلى الأمن على نحو يصبح فيها الخوف رديفاً للموت، والأمن رديفاً للحياة. لذا يمكن القول إن المرحلة التي يخوض غمارها المجتمع العراقي راهناً لعلها الأصعب في مراحل تاريخه الحديث فثمة مخاطر جسام تسد عليه الآفاق، وتتربص به الدوائر، سيما وإن التدخلات الخارجية تترك بصماتها على مساراته التنموية.
إن تجربة السنوات التي اعقبت الاحتلال عام 2003 بقدر ما عمَّقت وعقَّدت مشكلات كانت قائمة، فإنها في الوقت نفسه خلقت مشكلات جديدة لا تقل خطورة وتعقيداً. إذ إلى جانب تدهور الأمن، بعد الانهيار المؤسسي الشامل الذي شهده المجتمع العراقي، فرضت البطالة على الآف من العراقيين، واتسعت دائرة الفقر لتشمل آلافا جديدة من العراقيين، إلى جانب الدمار الذي لحق بالنظام التعليمي وبالنظام الصحي، والشلل الذي أصاب وظائف شبكات الأمان الاجتماعي، وتوقف النظام الاقتصادي. لقد فرضت تلك الازمات تكاليف باهظة وفورية على التنمية البشرية، وبات فقدان الحياة والإصابات والإعاقة والتهجير كلها من النتائج المباشرة. أما النتائج غير المباشرة، فتشمل تفكك الخدمات الصحية والتعليمية، وانهيار منظومات الرعاية، والضغوط والصدمات النفسية.
إن مراجعة للمتغيرات المجتمعية في مجال الأمن الإنساني تنمي إدراكنا بحقيقة مهمة هي أن السلطة هي التي تؤمن ترابط عناصر الهوية، فمنها تستمد شرعيتها وتؤمن استمرارها، وان الوضع المنسجم على الصعيد الاجتماعي ينتج عنه شعور الفرد بالأمان. وحين يحدث العكس نشهد ظواهر تصنف تحت مسمى النزاعات أو الفوضى وفقدان الأمن والمعايير. إن سلطة الدولة، وخصوصاً حين تكن نزيهة وعادلة، هي التي تؤسس قاعدة للمواطنة والتماسك المجتمعي، وتحرر الفرد من ولاءاته الضيقة.
وبما أن مؤسسات السلطة هي التي تؤمن وحدة الهوية، فإن انهيارها أدى إلى تشظي الهوية الوطنية، والتحول نحو الولاءات الفرعية، ذات الطبيعة الانقسامية، التي اصبحت البديل لما كانت توفره المؤسسات الرسمية من بيئة آمنة. ان التهجير القسري، على سيبل المثال، هو تعبير سلوكي وعاطفي عن ذلك التشظي، مع ضرورة الاعتراف بأن استمرار عمليات التهجير القسري أو تراجعها يتعلق بعوامل مثل قدرة السلطة على فرض القانون وقوة المؤسسات المدنية غير الرسمية (القطاع الخاص).
| 2081 | 300/1 | المكتبة الرئيسية | Available |
| 2083 | 300/1 | المكتبة الرئيسية | Available |
| 2082 | 300/1 | المكتبة الرئيسية | Available |
| 2084 | 300/1 | المكتبة الرئيسية | Available |
| 5973 | 300/1 | المكتبة الرئيسية | Available |
| 5974 | 300/1 | المكتبة الرئيسية | Available |
| 5972 | 300/1 | المكتبة الرئيسية | Available |
| 5971 | 300/1 | المكتبة الرئيسية | Available |
No other version available